الرئيسية / آخر الأخبار / أخبار القدس / الهوس الإسرائيلي إذ يلفق للطفلة مرح عملية طعن

الهوس الإسرائيلي إذ يلفق للطفلة مرح عملية طعن

مركز إعلام القدس – هنادي قواسمي –

في صورة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، نرى الطفلة مرح باكير (16 عاماً) من بيت حنينا في القدس بزيّها المدرسيّ وقد أحاط بها 9 من أفراد شرطة الاحتلال وحراس الأمن، بعضهم شاهراً سلاحه. وفي صورة مؤلمة أخرى نرى مرح مضرجة بالدماء وملقاة على الأرض. لدى الإعلام الإسرائيلي، كان الوصف جاهزاً على الفور “مخربة”، والتهمة الإسرائيلية موجودة “محاولة طعن”، والدليل مفقود.

في ساعات ما بعد الظهيرة من يوم الاثنين الماضي، كانت مرح الطالبة في الثانوية العامّة في طريقها إلى البيت. أنهت دوامها المدرسيّ في مدرسة عبد الله بن الحسين الواقعة على الحدّ الفاصل بين شرقي القدس وغربها، وتوجهت إلى محطة الحافلات حيث تنتظر الحافلة التي تقلها إلى بيت حنينا. على تلك المحطة، التي تقع بالضبط أمام المقر الرئيس لشرطة الاحتلال، يقف كذلك المستوطنون عادة في انتظار الحافلات الإسرائيلية.

خرجت بيانات شرطة الاحتلال تدعي أن مرح قامت أمام محطة الانتظار تلك بطعن مستوطن أو شرطي، وأنه تم اطلاق النار عليها، فيما بدأت اللحظات العصيبة ترافق العائلة في بحثها عن ابنتها وسعيها للاطئنمان على صحتها، والبحث عما ينفي ادعاءات الاحتلال فيما يتعلق بتنفيذ الطعن.

مرح التي أصيب بثلاث رصاصات في يدها اليسرى موجودة اليوم تحت الاعتقال في المستشفى الإسرائيلي “هداسا عين كارم”، فيما تم يوم أمس الثلاثاء تمديد اعتقالها حتى يوم الأحد القادم.

وتقول المحامية سناء الدويك التي تتابع ملف مرح، بأن قصة مرح هي “تلفيق واضح، وهي تحويل للضحايا الذي يقعون نتيجة اعتداءات المستوطنين والشّرطة إلى متهمين ومجرمين”. وتوّضح المحامية الدويك أن موّكلتها مرح تنفي التهمة الموّجهة لها، وتقول بأن الشّرطة هي التي اعتدت عليها. كما أن شرطة الاحتلال، حسبما أفادت الدويك، لم تقدم أيّ دليل على عملية الطعن أثناء جلسة المحكمة يوم الثلاثاء، وأنه عند سؤالها عن الأدلة تكتفي بالقول “الملف سريّ والأدلة سرية”.

ويبدو التخبط واضحاً في بيانات شرطة الاحتلال بخصوص حادثة مرح، ففي حين صدر البيان الأول للشرطة يشير إلى أن المطعون، حسب زعمها، هو مستوطن، قالت فيما بعد أنه رجل شرطة. وقد سألت الدويك أثناء جلسة المحكمة يوم الثلاثاء عن وجود أي تقرير طبيّ يثبت إصابة هذا الشرطي، لم تقدم شرطة الاحتلال أية تقارير أو اثباتات، واكتفت بالقول أن إصابة الشرطي طفيفة.

كما لم تقدم شرطة الاحتلال أي تسجيلات للكاميرا تظهر وقوع عملية طعن، لا سيما أن المنطقة التي وقعت فيها الحادثة تعتبر منطقة حساسة أمنياً، فهي قريبة من مقر الشّرطة الرئيس، ومقرات حكومية إسرائيلية أخرى، مما يعني انتشار كاميرات المراقبة فيها.

وفي حديث للعربي الجديد مع سوسن باكير، والدة الطفل مرح، يتبين أكثر فأكثر التخبط والهوس الإسرائيلي ومحاولة تلفيق ما حدث وإدانة مرح. تقول سوسن التي استدعت للتحقيق لدى شرطة الاحتلال، بأن المحقق عرض أمامها دفتراً ادعى أنه وجده في حقيبة مرح، وقد كُتِب داخل الدفتر عبارات مثل : “فلسطين حرة، سامحيني يا أمي، ولا تحزني عليّ”.

وتنفي سوسن أن يكون الدفتر لابنتها مرح أو أن يكون المكتوب فيه بخطّها. تقول سوسن:” ذلك خطّ غير واضح وغير مرتب، بينما ابنتي معروفة بخطّها الجميل، أما ثانياً، فهناك كلمات غير عربية وغير واضحة، مما يعني أن من كتبه ليس عربياً ربما، مثلاً هناك كلمة غير مفهومة غير موجودة في اللغة العربية أصلاً مكتوبة في الدفتر. أما ثالثاً، فإن هذا الدفتر جديد، لا يوجد فيه أي خدش، ولم يكتب فيه أي شيء سوى تلك العبارات، عدى عن أنه ليس من نوع الدفاتر الذي تحبّه ابنتي وتستعمله”.

أما والد مرح، جودي باكير، فقد كان يجلس في مقر شرطة الاحتلال ينتظر دوره للتحقيق، بينما أرسلت له شرطة الاحتلال اثنين من وحدة “العصافير”، وهم رجال أمن متنكرون يتظاهرون بأنهم معتقلين فلسطينيين، ينتظرون دورهم في التحقيق. وتعمد رجلا الشّرطة أن يتحدثا عن الأحداث الأخيرة في مدينة القدس، وقاموا بالإشادة بعمليات المقاومة والطعن، في محاولة لاستنطاق والد مرح وسحب أقوال منه.

وتروي سوسن اللحظات العصيبة التي تعيشها وزوجها جودي وابنتيها حلا ونور، وابنها موسى، في انتظار رؤية ابنتها مرح. تقول سوسن: “مرح ليست ابنتي فقط، أنا ومرح مثل الصديقات، وهي مقربة جداً مني، ولا أستطيع تحمّل أنها مصابة ومتألمة بينما لا يمكنني التواجد معها”. يذكر أن شرطة الاحتلال تمنع عائلة مرح من زيارتها في المستشفى حيث تتلقى العلاج، فيما سمحت فقط للمحامية بذلك. وعندما تحاول العائلة التواجد بالقرب من غرفة مرح في المستشفى يتم طردهم من قبل أفراد شرطة الاحتلال الذين يراقبون الغرفة، عدا عن قيام بعض الممرضات بالصراخ في وجوههم وشتمهم واتهامهم بأنهم “إرهابيون”.

أما عن وضعها الصحي، فقد أصيبت مرح ب3 رصاصات في يدها اليسرى، وشظاياً أصابت وجهها في منطقة العين والذقن. وقد أدت الرصاصات الثلاثة إلى تفتت في عظم ساعد مرح، مما يسبب لها آلالاماً شديدة. وتذكر سوسن والدتها بأن مرح خضعت لعملية جراحية العام الماضي في يدها اليمنى، بعد أن سقطت من ارتفاع، وأن يدها اليمنى مزروعة بالبلاتينيوم.

وتتحدث سوسن بانفعال عن ابنتها البكر مرح. تقول: “أنا فخورة وسعيدة بها، لأنها منذ بداية العام الدراسي رفعت همّتها وقررت الدراسة باجتهاد، حتى أنها أصبحت تستيقظ مبكراً وتنام متأخرة وتقضي وقتها في الدراسة فقط، إذ تخطط لدراسة المحاسبة في الجامعة”.

ويشير طارق المبيض، خال مرح، بأن هناك حالة من توازن الرعب قائمة في القدس في الأيام الأخيرة، “فالمستوطنون خائفون من الفلسطينيين، والفلسطينيون مترقبون لأي اعتداءات من المستوطنين”. إلا أن الفرق بين هذا وذاك، حسب قول المبيّض، بأن “تصرفات المستوطنين محميّة بالقانون، بينما لا يوجد من يحمينا نحن الفلسطينيون”.

وتتصاعد في الآونة الأخيرة اعتداءات المستوطنين وشرطة الاحتلال على الفلسطينيين في القدس والأراضي المحتلة عام 1948، وتوقف أفراد شرطة الاحتلال أي شخص بدعوى أنها “اشتبهت” به وتقوم بتفتيشه والتدقيق في هويته. ويحاول الفلسطينيون الحفاظ على أرواحهم في ظلّ هذا الهوس الإسرائيلي، حتى أن والدة مرح تروي كيف أنها أجبرت نفسها على عدم الركض في الشّارع أثناء طريقها لللمستشفى للبحث عن ابنتها، حتى لا يشتبه بها أحد المستوطنين أو شرطة الاحتلال، خاصّة أنها محجبة.

وتشير المحامية الدويك إلى تسجيل عدة اعتداءات من المستوطنين بحقّ الفلسطينيين وخاصة من يعملون في سوق العمل الإسرائيلي، فيما تقوم شرطة الاحتلال بتحويل هذه الاعتداءات إلى اتهامات بتنفيذ عملية طعن. ومن الأمثلة على ذلك، ما زعمته شرطة الاحتلال حول تنفيذ عملية طعن في رعنانا يوم أمس الثلاثاء.

وتُنبّه قصة مرح، وانتفاء أي دليل على تنفيذها عملية طعن، إلى قصص أخرى قد تلفق فيها شرطة الاحتلال اتهامات للفلسطينيين بالطعن، في محاولة منها لضرب النسيج الفلسطيني والحاضنة الشعبية المؤيدة للمقاومة. وتأتي هذه التلفيقات كذلك كجزء من سياسة الترهيب والعقاب التي تمارس ضدّ الفلسطينيين لإجبارهم على قبول الأمر الواقع والتخليّ عن تواجدهم العربي ووعيهم الوطني.

وتبين الدويك بأن الشّابين المتهمين بذلك وهما شقيقان طارق وأحمد الدويك يعملان في ورشة بناء بالقرب من مركز تجاري إسرائيلي في رعنانا، وأنهم يتوجهون بشكل دائم للمركز التجاري من أجل استخدام المراحيض فيه.

وقد تم الاعتداء على طارق من قبل المستوطنين خلال تواجده هناك، فيما حوّلت شرطة الاحتلال ما حدث إلى “عملية طعن”، ووجهت لطارق تهمة “محاولة القتل”، ووجهت لأحمد أخيه تهمة “المساعدة على القتل”. وتشير الدويك إلى أن جلسة محكمة تمديد اعتقال طارق وأحمد التي عقدت اليوم الأربعاء كانت سرية ولم يسمح للعائلة بحضورها، فيما لم تقدم أي أدلة واضحة على زعمها بتنفيذ عملية الطعن، بحسب الدويك.

اترك رد