الرئيسية / آخر الأخبار / الإناء وما فيه

الإناء وما فيه

سامر خير أحمد

منذ راجع العرب برامج عملهم العسكرية والثورية، عقب انتهاء “الحرب الباردة”، لصالح برامج سياسية ودبلوماسية، وحتى اندلاع ثورات “الربيع العربي”، ظل محيّراً ما إذا كان الوصول إلى تكريس قيم المواطنة والممارسة المدنية والمؤسسية التي ترتقي بالدولة والمجتمع، مثل “احترام القانون”، مسألة ثقافية أم قانونية؟ احتارت في ذلك مؤسسات المجتمع المدني، والمؤتمرات والندوات الوطنية الخالصة، وتلك التي قامت على “التمويل الأجنبي!”، وظل متفقاً عليه أن الأمر يشبه حكاية البيضة والدجاجة؛ فالحل الثقافي يُنتج، بالضرورة، تغييرات تشريعية، وفرض التشريعات والسهر على تطبيقها بأمانة يستتبع تغييرات ثقافية إيجابية لصالح احترام الناس القانون، والالتزام به.
قيل إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن؛ ما يعني أن الخيار التشريعي الذي يُطبّق بحزم هو الأَولى. لكن الأمر لم يكن ميسّراً في عالمنا العربي، الغارق في فساد بنيوي وشامل، فظل الخيار الثقافي لدى قطاعات من المشتغلين بالعمل العام بمثابة بديل ممكن، شريطة تصديقهم أنّ رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، لأن الأمر لم يكن يتعلق باللحظة القائمة، بل بالأزمة الحضارية التي يعيشها العالم العربي، وتمنع تقدمه على طريق المشاركة في الحضارة الإنسانية المعاصرة، فضلاً عن حل مشكلاته الداخلية، وفي مقدمتها قضايا الاحتلال والإتباع والإلحاق.
اليوم، ما الجديد الذي قدمته ثورات “الربيع العربي”، خصوصاً أنها لم تنتج استقراراً، ليمكن الانتقال إلى الحديث عن التنمية والمؤسسية والمجتمع في إطار القانون؟ حكمة “كل إناءٍ بما فيه ينضح” خير ما يصلح لتوصيف حال الشعوب العربية في “الربيع العربي”، وشرح سلوك كل منها إزاءه. فما فعله “الربيع العربي” أنه أتاح الحرية لكل مجتمع ليُظهر ما هو متكرّس فيه من مفاهيم وسلوكيات و”أعراف”، لكنه لم ينجح في تكريس “ثقافة الحرية” نفسها، وتحويلها من شعار إلى ممارسة، إلا بمقدار قدر وجودها فيه بالأصل. لعل ذلك ما يفسر الاختلافات الكبيرة في حالة “الربيع العربي” عند كلٍّ من الشعوب التي عاشته، كلياً أو جزئياً.
عند الشعوب العربية التي عرفت الربيع كليّاً، ثمّة فروق جذرية بين تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية. الشعب التونسي الذي عرف مفاهيم عديدة في ثقافة الحرية ضمن منظومته الثقافية الاجتماعية، منذ تأسيس دولته الحديثة عقب التحرر من الاستعمار الفرنسي في 1956، ينجح، أكثر من مرة، في ممارسة الديمقراطية السياسية في انتخاباتٍ تعددية، فازت في إحداها حركة دينية معتدلة، لم تقل إنها تستهدف إخراج التونسيين من الظلمات إلى النور بغرض استجلاب نصر الله للأمة، فيما فاز في مرة ثانية، رجل سياسة محنّك، شارف على التسعين.
في مصر، حيث قادت ممارسات عهد سابق طال عقوداً إلى الحيلولة دون تأصيل ثقافة الحرية في الممارسة الاجتماعية، تماماً كما جرى لدى شعوب عربية أخرى، ظلت الممارسات السياسية المتتالية تهدد فكرة التعددية والحرية، من مرحلة إلى أخرى، حتى وصلت الحياة السياسية إلى حالٍ لا يلاقي إجماعاً بين الثائرين.
العنف في ليبيا يهدد فكرة الدولة المدنية، تماماً كما يهدد فكرة الدولة نفسها، في مجتمع قيل الكثير عن “قبليته”، على الرغم من كل ما يقال، أيضاً، في سياق نفي رسوخ الثقافة القبلية بعد الثورة. ويدور المشهد في اليمن في الإطار نفسه، في مجالي العنف والقبلية، ما يتيح المجال لأي مجموعة سياسية لاستعادة الخطاب الشمولي القمعي، في حال سيطرتها على السلطة مستقبلاً، باسم الوطن أو باسم الله. وللحالة السورية خصوصيتها طبعاً، لكن سنوات النار والحديد والخوف أثّرت، بدون شك، على مدى رسوخ الفكرة الوطنية المدنيّة، وكثيراً ما أبدلتها بالطائفية والعرقية.
أما شعوب “الربيع” الجزئي فقد استعملت مخزونها الثقافي غير الديمقراطي في التعبير عن مطالبها، خطاباً أو سلوكاً، ما أظهر أن ثمّة تعاملاً مع فكرة الوطن وفق قاعدة “الكعكة” التي يتقاسمها أصحابها، بحسب ما يقدر كل منهم أن يأخذ منها.
والحال أن الربيع العربي أظهر ما لم يكن ظاهراً أو واضحاً. أحدث تغييرات في الشكل بدون تغييرات في المضمون، حتى الآن، وهذا كل شيء. أما لغز البيضة والدجاجة فما يزال من دون حل.

اترك رد